محمد راغب الطباخ الحلبي

223

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

واستمر نحو خمسين سنة في الخلافة لا ينازعه منازع في راحة وافرة وصدقات متواترة تأتيه من الناس ، والكبير والصغير يقبلون يده ، وهو ملازم على الأوراد ويبذل القرى للواردين ، وكل من يرد عليه سقاه القهوة ، ومن يستحق الضيافة أضافه بصدر واسع وخلق كريم . ولكن كانوا في كل يوم وقت الضحوة الصغيرة يديرون الكأس « * » يأكلونه ويشربون القهوة عليه . وكان يقول : الدهر مل من طول عمر ثلاثة : أحدهم أنا ، والثاني أبو الجود مفتي حلب ، والثالث شاه عباس . قال بعضهم : والرابع يوسف باشا ابن سيفا . وهذا الكلام محمول على طول عمر هذه الثلاثة وكثرة وقائعهم وأحوالهم بحيث مل الناس من ذكر أمورهم حتى سار الإملال إلى الدهر ، لكن كان أبو الجود فيه نفع لعباد اللّه تعالى . ثم اشترى كتبا فيها المقبول الذي له ثمن فوقفها على المكان ، واشترى أراضي ووقفها على الأماكن ، واشترى بستانا ووقفه أيضا على الدراويش وكتب بذلك وقفية وجعل لها متوليا . ولما مرض أوصى بالخلافة من بعده للدرويش أحمد الكلشني وأعطاه ختمه وأحضر الكشاف عنده وكتب له بذلك حجة . ولما مات أظهر الشيخ مصطفى القصيري ورقة بخط الشيخ أحمد أنه اتخذ الدرويش مصطفى الخليفة من بعده ، واشتد الخصام وبقي هذا يتولى الخلافة مدة ثم يذهب الآخر ويأتي بأمر سلطاني ليكون الخليفة ويعزل الآخر ، وهلم جرا ، واختل أمر ذلك المكان غاية الاختلال . وكانت وفاته في سنة إحدى وأربعين وألف « 1 » وقال أديب الشهباء السيد أحمد النقيب الآتي ذكره يرثيه . ما الكون سوى صحيفة الأكدار * خطّت لذوي العقول والأفكار كم موعظة تضمنت أسطرها * إن أنت جهلتها فأين القاري وفي لفظ القاري إيهام التورية كما لا يخفى ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم .

--> ( * ) في الأصل : يديرون الكلس . ( 1 ) دفن في حجرة قريبا من باب مسجد التكية المذكورة قبالة مزار الشيخ أبي بكر . ا ه من كتاب « موارد أهل الصفا » للصلاح الكوراني ، وقدمنا ذلك في الكلام على هذا المكان في ترجمة الشيخ أبي بكر .